رقيقة كالهمس .. وضاءة كالشمس .. خصلات من شعرها الاسود
الفاحم كانت تتدلى كعنقود عنب على عينيها الناعستين .. تلك هي مريم ابنة الثلاثة عشر ربيعا .. التي تسكن محلة الفضل من بغداد.. ما أعذبها .. ما اجملها لولا ان شحوبا مقيتا
تسلل خلسة الى بشرتها البيضاء البضة فأفقدها نضارتها .. ولولا ان سكونا رهيبا زحف الى اطرافها من دون ارادتها فاحالها الى مومياء فرعونية لاتقوى على شيء .. لسانها كان لا
يفتأ يتمتم بكلمات غير مفهومة .. وعيناها كانت ترقب شيئاً ما قادم من بعيد لا ادري ما هو .. لوهلة خلتها تتصنع حياء العذارى بتكلف واضح لا يخفى على متمرس مثلي خبرته
الحياة، فعلمت ممن حولها ان وحشا لا يعرف الرحمة هو الذي فعل بها كل هذا .. وحش جعلها حبيسة البيت، بل وقعيدة الفراش ايضا فلم يعد من حقها ان تحلم كما تحلم زميلاتها في
المدرسة، ولا ان تلعب كما تلعب شقيقاتها، ولا ان تجلس خلف قضبان الشناشيل البغدادية التي تزين شرفة دارها كما تفعل بنات محلتها لترقب بائع (الشعر بنات) وتناديه على
استحياء بصوت متهدج -عمو بيش الشعر بنات، اريد اثنين-.
ويحكم ما اسم هذا الوحش .. ما عنوانه .. دعوني اثأر لحسناء محلتنا ..
افسحوا لي المجال لأنتقم من هذا الشيطان المريد .. اجيبوني ماذا دهاكم اليس فيكم رجل رشيد ؟! ربت احدهم كتفي وقال لا تتعب نفسك فما وحش محلتنا بانسان .. وليس لشبح عراقنا
عنوان .. انه مرض بات يفتك بالالاف من اطفالنا وسيظل يفعل ذلك حتى يقضي الله امرا كان مفعولا .. وحش يسميه الاطباء ضمور العضلات التشنجي الحاد .. ليس له في عراق الحضارات
علاج !! جل الذي نتمناه عليك كونك تعمل في العيادة الشعبية القريبة ان تأتي لنا بكرسي متحرك لمرضى الشلل الرباعي تقضي مريم ما تبقى من حياتها عليه .. هرولت مسرعا الى
اصحابي، الى جيراني، الى احبابي، استنجد بهم، بل قل استجديت منهم، فلم نكن نملك ثمن الكرسي (500) دولار وغبار غزو العراق (2003) لم ينجلِ بعد، وكلنا عاطلون عن العمل،
فأطلقنا حملة لجمع التبرعات استمرت شهرا كاملا تحت شعار انقذوا عذراء العراق مريم، وبعد جمع المبلغ المطلوب يممت وجهي شطر شارع (المشجر) واشتريت واحدا حملته على ظهري من
شدة الزحام، وانطلقت به اشق محلات بغداد القديمة واحدة تلو أخرى، فمن باب الشيخ الى قهوة شكر، وحمام المالح، وفضوة عرب، وقنبر علي، وصولا الى الفضل، دخلت محلتها وانا في
غاية السعادة والسرور، وكان الزقاق مكتظا بالناس، وقفت امام خيمة منصوبة وصحت باعلى صوتي يا أم مريم زغردي عرش ابنتك قد وصل، فقالت والحزن يعلو محياها ارجع به من حيث أتيت
فلا حاجة لنا به، فعقدت الدهشة لساني، وتسمرت مكاني، ولسان حالي يقول كيف ارجع بالعرش ومريم بامس الحاجة اليه؟ فهمس أحدهم في اذني قائلا لقد ماتت مريم وهذه خيمة عزائها!!
سقط قلبي في جوفي ولم تعد ساقاي تحملني، جلست على الارض القرفصاء، وتناهى الى سمعي صوت القارئ عبدالباسط وهو يرتل قوله تعالى (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت)، نعم لقد
كانت مريم مؤودة اشتركنا جميعا في قتلها، وكل من شارك في اغتيال الاطباء الاختصاص لحملهم على الرحيل خارج البلاد بغية افراغ العراق من عقوله وكفاءاته قد اسهم في وأد عذراء
العراق مريم.
وكل من نهب المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية في عهد الحواسم
فقد اسهم في قتل مريم، وكل من استورد الادوية المغشوشة والمستلزمات الطبية النافدة الصلاحية ومن مناشئ عالمية مجهولة فقد اسهم في قتل مريم، وكل من اهمل رعاية الاطفال، أو
انتهك حقوقهم وأوقعهم فريسة الفقر والجهل والجوع والمرض، فقد اسهم في قتل مريم، وكل من لم يلتزم ببنود اتفاقية حقوق الطفل التي اقرتها الامم المتحدة في 20-11-1989، وكل من
لم يلتزم ببنود اتفاقية جنيف لحقوق الانسان، واتفاقية التنمية البشرية التي وقعت عليها 189 دولة عام 2000 في الامم المتحدة والتي تضمنت ثمانية اهداف عامة، و18 هدفا ذات
صلة و48 مؤشرا، اتفقت الشعوب على تحقيقها بحلول 2015، نقول كل من لم يلتزم بهذه البنود فقد اسهم في قتل مريم، وكل من انعم الله عليه بالمال وهو يعيش في بحبوحة ورغد من
الحياة وسمع بمريم وامثالها ولم يسهم في علاجها داخل أو خارج العراق فقد اسهم في وأد مريم ... سرت خلف النعش .. رافعا العرش لأهديه الى مريم اخرى جديدة وما اكثرهن في
العراق الذي اضاع الخيط والعصفور لعلها تجد متسعا من الوقت للجلوس عليه قبل ان تطالها يد القدر
التعليقات (1)
الله اكبر أرسلت بواسطة احمد العراقي, تـمـوز 31, 2010
الله اكبر يا مسلمين الله اكبر ياعرب الله اكبر ياعراقيين هبوا الى الجهاد فبالجهاد ورفع السلاح بوجه المحتل وعملائه نقضي على المرض لنحافظ على اطفالنا الباقين
الموت للامريكان الصهاينة المحتلين
الموت لايران المجوس
الموت لسيستاني ابو الخلاعيات
الموت للقندرة مقتدة مقطاطة
الموت للهالكي وجعفوري وشهبوري وعلاوي وكل العملاء
الموت للامريكان الصهاينة المحتلين
الموت لايران المجوس
الموت لسيستاني ابو الخلاعيات
الموت للقندرة مقتدة مقطاطة
الموت للهالكي وجعفوري وشهبوري وعلاوي وكل العملاء