قال لها قاضي محكمة الاحتلال يستحثها على المضي في
الشهادة : نعم ..أجابت ربة الخدر من خلف الحجب : نعم الله عليك!!
أقول لكم إذا ضاقت الصدور ، فاستمعوا لشهود الزور في
المسخرة التي يديرها قاضي الاحتلال محمود الحسن المستفز والمتسرع والجاهل، الذي يستمع للمشتكين ويملي لكاتب المحكمة على لسانهم شيئا آخر اكثر ملاءمة لاغراض المحكمة وهو
يتلفت حوله زائغ العينين وكأنه يتوقع مصيبة تأتيه من حيث لا يدري.
ومع أن مسلسل محكمة الاحتلال الذي لا تنقطع حلقاته
يمكن ان يكون نموذجا لكوميديا الخروج على النص ، لكن حكومة الخضراء لسبب ما لا تضع لنا مواعيد مواقيت اذاعة المسلسل وكأنها تخشى على الشعب من كثرة الضحك، فنضطر الى العثور
عليها بالصدفة ، كما فعلت امس وانا اقلب الفضائيات ، وبالصدفة وقفت عند فضائية "الحرية" التي صارت تذيع الجلسات باعتبارها (فاصلا) يمكن ان يقطعه اي برنامج او اية اغنية .
كانت حلقة مسلسل المحكمة امس بعنوان (تصفية الاحزاب العلمانية) ولكن رغم ذلك ظهرت الشاهدات (وكلهن اناث ولا ادري علاقة هذا بالعلمانية) خلف حجاب ، وحلفن على القرآن وكذبن
حسب الأصول، ولا ادري ما اختلافهن اذن عن حلقات مسلسل (تصفية الاحزاب الدينية) .
الشاهدة الاولى : اعتقل ابوها في
قضاء الحي وكان شيوعيا وعمره 85 سنة في عام 1988 وبعد شهرين من اعتقاله دق بابهم شاب ظريف وقال لهم ان الوالد في المستشفى، وهناك قالوا لهم انه مات بجلطة قلبية ولكن
الشاهدة تصر على انه مات بالتعذيب. وتشتكي ان المعاش الذي خصصته الحكومة له لم يكن كافيا ، وان شقيقها لم يستطع الزواج من الفتاة التي احبها لسنوات لأن عائلتها لم تكن
تريد تزويجها لعائلة شيوعية.
لم يسألها احد من محاميي الدفاع او من
المتهمين. لم يسألها رئيس المحكمة او المدعي العام:
- هل اصيب قبل ذلك بذبحات قلبية؟ هل يشتكي من ضغط الدم وغيره مما قد يؤدي الى هذه النتيجة؟- اين مايثبت موته بالتعذيب؟- ماذنب الحكومة في ان عائلة
حبيبة شقيقها لم ترغب في تزويجها منه؟
الشاهدة الثانية : زوجها كان شيوعيا
ومحكوما بالاعدام في 1979 ولكن بعد العفو العام رجع لبغداد وكان هاربا في المحافظات، وعمل .. تصوروا أين؟ في مجلة نبض الشباب التي يديرها الراحل عدي صدام حسين ، ولكن في
2002 اعتقل من قبل احد المتنفذين في اللجنة الأولمبية وذكرت اسمه مرارا، وبعد شهرين ايضا قالوا لهم تعالوا الى مستشفى الرشيد العسكري لاستلام جثة زوجها المتوفي. تقول انه
مات بالتعذيب. كيف عرفت؟ قالت انها وجدت آثار قيود حبال على يديه وقدميه حتى ان الجلد في قدميه كان مسلوخا.
اسرع القاضي الفهيم ليملي على كاتب المحكمة شهادتها
قائلا "اكتب وكان الجلد قد سلخ من الجسم" مما يوحي بأنه سلخ من الجسم كله. وطبعا لم يسألها احد في المحكمة لا القاضي ولا المدعي العام ولا المحامون ولا المتهمون
:
- كيف عمل مرة اخرى في مكان حساس يشرف عليه عدي صدام حسين، ولو كان زوجها مازال مطاردا او منبوذا لماذا يعين اصلا ؟
- ماعلاقة سجنه من قبل شخص في اللجنة الاولمبية في مسألة (تصفية الاحزاب العلمانية) اليس من الممكن ان يكون قد اعتقل هذه المرة بسبب سوء سلوك او سوء
استخدام للمال ، خاصة انها قالت ان زوجها كان يعمل في جلب اعلانات للمجلة.
ولكن هاتين الشهادتين لا شيء أمام الشاهدة الثالثة التي كانت مسك الختام بالنسبة للفاصل من المحاكمة الذي عرض بالصدفة في فضائية الحرية.
++
قال لها قاضي المحكمة يستحثها على المضي في الشهادة
: نعم ..أجابت من خلف الحجب : نعم الله عليك.
تصفح القاضي مذعورا الوجوه حوله عساه يمسك احد الحضور متلبسا بالضحك. ولكنه لم يفلح سوى في استقطاب كامل انتباهي، بحيث هرولت لأمسك قلما وورقة واسجل
كل ما قالته الشاهدة التي وصفت نفسها بأنها ذات "ذكاء خارق" افصحت عنه بجلاء من خلف الستارة مع انها قالت انها "لاتخاف الا من الله" وان الجميع كانوا يخشونها لسلاطة
لسانها . وفي الواقع ان شهادتها كانت عبارة عن سرد لمغامراتها وكيف نجت من الملاحقات الأمنية (وكانت اقصى فترة قضتها سجينة هي ساعتين في مديرية امن) . كان يبدو عليها من
طريقة كلامها وانشراخ صوتها وتقافزها من موضوع الى اخر وخيالاتها المريضة انها مصابة بالبرانويا الشديد بحيث تظن كل سؤال هو اضطهاد. في حين انه حسب قصتها فكل من رأته من
رجالات العهد الماضي ساعدوها بشكل او بآخر .
تقول ان اباها كان شيوعيا ولديه خلايا في الفضيلية وفي
كردستان وكانت له اتصالات سرية لم تقل مع من ، ولكنه اختفى في 1980 ولم يعرفوا مصيره الا بعد الاحتلال حيث تبين لهم انه قد (اعدم) ولم تذكر كيف حصلت على هذه
المعلومة.
ثم تقول انها طردت من المدرسة الثانوية بسبب والدها، ولكن
بسبب ذكائها الخارق عينت في بنك دولي !! شلون ما ادري. وقد عينها رئيس مصارف العراق. هل هناك وظيفة بهذه التسمية ؟ وانها في خلال سنة تعلمت عدة لغات واشياء اخرى وصارت
موظفة لا يستغنى عنها.
في 1982 خطفها من الشارع (أمن خير الله
طلفاح) ولم يفهم رئيس المحكمة واستفسر منها اذا كان طلفاح عنده أمن ؟ وبعد عدة مناورات للفهم ، استقر على انها تقصد الامن الموجود قريبا من منزل طلفاح. وبعدين ضابط الامن
احتراما لها (كررتها عدة مرات) اخذها الى مديرية اخرى بقيت فيها ساعتين (سجلها رئيس المحكمة يوما واحدا، ربما احتراما لكفاحها او ان كسور اليوم لديه تساوي يوما. حققوا
معها واتهموها انها توزع منشورات ، وجعلوها توقع على تعهد بعدم الانضمام للحزب الشيوعي تحت طائلة الاعدام.
هنا قال لها قاضي الاحتلال بعد ان أملى اقوالها على كاتب
المحكمة ويستحثها على الاستمرار:- نعم - نعم الله عليك
مرة اخرى جاءت مفرزة للدائرة التي تعمل فيها لأخذها
للتحقيق معها ولكن المدير امتنع عن السماح بذلك . لماذا يسألها قاضي الاحتلال؟- لأن المدير يخشاني فهو يعرف اني صلفة . وكان يتصور ان ورائي جهة تسندني
بعد خمس سنوات جاءت مفرزة اخرى واعتقلوها هي وامها
. وسبب اعتقال امها تقول الشاهدة (حتى انهار واضرب الضابط ليتخلصوا مني) وطلبوا ان تتعاون معهم . ولكن كانت خارقة الذكاء فلم تضرب الضابط وفوتت عليهم الفرصة!!
بعد هذا نصحها رئيس محكمة ذكرت اسمه وقالت انه الان يعمل
مستشارا في الامارات، ان تستخرج وصاية على والدها باعتباره فاقد الاهلية وقد خرج من البيت ولم يعد. حتى تستطيع ان تستأنف حياتها مع أشقائها الذين استطاعت فعلا ادخالهم
المدرسة الخ.
ثم تقول انها اتهمت في 1990 بالتجسس وهربت دون ان
تذكر كيف تركوها تهرب، الى يوغسلافيا عن طريق تركيا ، ولكنها شعرت بالحنين الى العراق في نفس السنة فأرادت الرجوع لكن السفارة التركية طلبت منها ان تأتي بمذكرة تأييد من
السفارة العراقية في بلغراد ، وحين ذهبت الى السفارة وقابلت السفير لم تدر ان السفارات كانت سجونا.
طبعا القاريء سوف يظن انها قد اعتقلت وسجنت في السفارة. ولكن
بعد عدة ايضاحات من القاضي فهمنا منها ان السفير العراقي سألها اسئلة لا لزوم لها وكأنها في مديرية امن وليس سفارة، اسئلة مثل ماذا تفعل في بلغراد وماذا كانت دراستها واين
عملت في العراق. ثم اعطوها المذكرة للسفارة التركية .
قاضي الاحتلال بسبب جهلة ظل يفر بأذاناته ويبدي
دهشته "يعني اذا اراد العراقي ان يعود الى بلده تطلب منه تركيا الاستئذان من سفارته؟" وظل غير مصدق. ومن أين له أن يعرف ان هذا نهج معروف بين السفارات في العالم. اي انك
اذا كنت خارج العراق واردت زيارة بلد ما ، ستطلب منك سفارة ذلك البلد أن تأتي بمذكرة من سفارتك ، وهي طريقة من تلك السفارة لوضع عبء اثبات صحة جوازك وصحة وثائقك على عاتق
سفارتك. وانه من اجل استخراج مثل هذه المذكرة من سفارة بلدك لابد ان تقدم مايثبت عراقيتك اولا، ومن الطبيعي ان يسأل القنصل (وهو الموكل بهذا العمل وليس السفير) المواطن
العراقي اسئلة معينة ليتثبت من صدق اقواله ومن عراقيته. لكن الست الشاهدة اعتبرت هذا الاجراء من قبيل التعسف والظلم والقمع.
وتذكر في لحظات شرودها وثرثرتها، ولم يعلق على ذلك
قاضي الاحتلال حيث ضاع عليه الخيط والعصفور .. ان امها لحسن الحظ كانت قد سجلتها في النفوس باسم شقيقتها المتوفية ولهذا حين رجعت لم تلق اية مشكلة ووجدت عملا في
عيادة.
ومع الاسف هنا أسكتت قناة الحرية شهرزاد عن الكلام المباح ، حيث
قطعت البث من اجل اذاعة برنامج آخر . وهكذا قامت القناة بقمع مشاهديها واضطهادهم وهم يتابعون هذه المحاكمة التي أرادها الاحتلال ان تكون عبرة لمن يعتبر فصارت مسخرة
للعالمين. واذا كانت هذه هي الاحزاب العلمانية التي تمت تصفيتها ، فيا لها من التصفية ، واحد عمره 85 ومات موتة الله ، وولد لم يستطع ان يتزوج حبيبته، وواحد تحول من محكوم
بالاعدام الى العمل مع ابن (الدكتاتور) وليس غيره، وواحدة حكمت على ابيها بأنه فاقد الأهلية وصارت وصية عليه، وحصلت على افضل الوظائف وأحسن الخدمات والاحترامات بدئا من
رئيس مصارف العراق الى ضباط خير الله طلفاح الى السفراء الى رئيس محكمة ساعدها على التزوير ، الى امها التي زورت شهادة ميلادها.
أين المظلومية ، والله لا قمع ولا مظلومية الا ما نعانيه
نحن المشاهدين من قطع مسلسل "نعم الله عليك" ونحن في منتصف الاستمتاع.
التعليقات (1)
شكرا لك ايتها العراقية الكريمة أرسلت بواسطة العراقي العربي, كانون الأول 25, 2009
شكرا لك على هذا المقال الذي يفضح مسرحية العملاء الاذلاء في هذه المحكمة البلاء